محمد أبو زهرة

3637

زهرة التفاسير

إن كفر من كفر وهداية من اهتدى يكون بتقدير اللّه تعالى في كتابه المكنون . كان النبي صلى اللّه عليه وسلم حريصا على إيمان قومه ومن بعث إليهم جميعا ؛ لأن الحجة قائمة والحق بين والهدى مرشد ، فيبين اللّه تعالى له أنه سبحانه لو شاء لهداهم أجمعين ، ولكن تركهم يختارون عن بينة ، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها . فقد خلق فيهم العقل الذي يختار ووضع فيهم النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة فكانت الإرادة حرة ، وتم الاختبار ليكون الثواب والعقاب واللّه أعدل الحاكمين . وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ، كُلُّهُمْ تأكيد ، و جَمِيعاً حال . لو شاء اللّه أن يكون الناس كلهم مجتمعين على الهداية والإيمان لكانوا جميعا كذلك ، ولكن لم يشأ ليكون الاختيار ويتميز المؤمن من الكافر ، وقد قال تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها . . . ( 13 ) [ السجدة ] ، ولكنه سبحانه أودع النفوس القدرة على الاهتداء ، وبعث الرسل لكيلا يكون للناس على اللّه حجة وهدى الإنسان النجدين ليكون الاختيار . . . وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً . . . ( 35 ) [ الأنبياء ] ، ذلك ليكون التنازع بين الفضيلة والرذيلة وليكون من آمن عن بينة ومن كفر عن بينة ، وكلمة كُلُّهُمْ تأكيد لفظي وجميعا حال ، والمعنى مجتمعين على الإيمان لا يشذ من بينهم أحد . ولقد قال تعالى في تقرير الاختيار : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 119 ) [ هود ] . وإذا كانت تلك مشيئة اللّه تعالى وإرادته أن ترك لهم الاختيار ، فليس لك أن تريد منهم ما لم يرده اللّه لهم . أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أيكون الإيمان بإكراههم واللّه تعالى أراد لهم الاختيار في الاعتقاد والإيمان ، و ( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ؛